سر التقدم .. “ريادة الأعمال” مناهج لرياض الأطفال الأمريكية

سر التقدم ..

“عصير الليمون” فعالية سنوية في مدرسة لتعليم الأعمال التجارية

47% حصة مبيعات المشروعات الصغيرة في أسواق الولايات المتحدة

 

 التقدم الاقتصادي والعسكري الأمريكي ليس من فراغ .. مقولة تؤكدها ممارسات المؤسسات التعليمية الأمريكية التي ابتكرت على مدار عقود طويلة مناهج وخطط عمل لتفريغ كوادر في مجال ريادة الأعمال، ما أدى إلى نتيجة اقتصادية مؤكدة هي أن المشروعات الصغيرة والمتوسطة أحد أقوى الأعمدة في الكيان المالي الأمريكي.

وحرصت المؤسسات التعليمية الأمريكية على تدريس “ريادة الأعمال” في مختلف المراحل التعليمية، حتى إن إحدى المدارس الأمريكية تقيم منذ عام 2007 فعالية سنوية تسمى بـ”يوم عصير الليمون”، وهدفها الأساسي تعليم الأطفال مبادئ ريادة الأعمال، وغرس مهارات العمل الحر فيهم، وذلك عبر تأسيس وإدارة كشك لبيع عصير الليمون، ويسبق ذلك دورة تدريبية مصغرة مع مواد تدريبية تعلمهم كيفية البدء في العمل التجاري وبناء خطة العمل ودراسة الجدوى، والعجيب في الموضوع أن الشريحة المستهدفة هي من المرحلة الابتدائية أو أقل, أي المرحلة التي تسبق دخول المدرسة “رياض الأطفال”!

 وعبر هذا البرنامج التدريبي يتم تعليم الأطفال بناء خطة عمل ودراسة جدوى، كذلك تعلم أساسيات إدارة المشروع وكيف يحمي الطفل استثماراته، وادخار ما يحصل عليه، وكذلك بناء سمعة طيبة لدى الزبائن بتقديم خدمات ذات جودة عالية للحفاظ على ولاء العملاء.

 وبحسب إحصاءات رسمية فإن عدد الكليات التي تدرس مقررات ريادة الأعمال في أمريكا بلغ 16 كلية عام 1970، ثم قفز إلى 504 كليات عام 2001، ليصل إلى أكثر من 1100 كلية عام 2008، ما كان له مردود إيجابي على سوق العمل وانتشار المشروعات الصغيرة والمتوسطة التي نفذها رواد أعمال جدد.

 وتصل نسبة مبيعات منتجات مشروعات رواد الأعمال الصغيرة إلى نحو 47% من إجمالي مبيعات السلع في أمريكا ويزيد عددها على 22 مليون مشروع صغير غير زراعي تستوعب حوالي 53% من القوى العاملة وتسهم بما نسبته 50% من الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي.

الأفكار تصبح حقيقة :

 ويقول “دوج ميلر”، مدير تعليم ريادة الأعمال للأطفال والشباب في مؤسسة غير ربحية أمريكية تبذل جهودا في دعم ريادة الأعمال: “يكتسب الأطفال المهارات الحياتية مثل الإحساس بالمسؤولية ومتابعة الهدف والتواصل مع العالم في أثناء تعلمهم مهارات الأعمال وكيفية إدارة الموارد القليلة”، ويستطرد ميلر: “لكن أهم ما في الأمر هو أن الأطفال يكتسبون شعورًا قويًّا بتقدير الذات في أثناء محاولاتهم التغلب على العقبات ومن مشاهدة أفكارهم تتحقق وقد يبدو كل هذا جميلاً بدرجة يصعب تصديقها”.

رائدة أعمال “طفلة” :

 وتعد الأمريكية “راشيل شين” نموذجا جيدا للطفلة رائدة الأعمال، فحينما كانت في السادسة من عمرها تجولت من منزل إلى منزل لبيع بالونات حفل عيد ميلاد أختها إلى أن أمسك بها والداها، وفي نهاية المرحلة الابتدائية كانت تتجول وهي تبيع قطع الكعك في ملاعب الكرة المحلية؛ لأنها اكتشفت أنها تدر هامش ربح أعلى من “الليمونادة”، وفي السنة نفسها كانت هي التي تمسك بدفاتر المبيعات وحسابات التكاليف الخاصة بمتجر والدتها للمشغولات اليدوية ومكتب عقارات والدها.

واليوم أصبحت “شين” تمتلك وزوجها “ستيف بيلارسكي”، وهو أيضا من أبناء رجال الأعمال، شركة لمنتجات الخبز تدار بملايين الدولارات في ولاية كاليفورنيا، وتعمل على توريد الفطائر إلى “الكافيتريات” من لوس أنجلوس إلى حدود المكسيك. وهما يستمتعان بالإثارة والإبداع والتحدي في إدارتهما للشركة وأمنيتهما نقل روح ريادة الأعمال هذه لأبنائهما الثلاثة.

مغامرات وترفيه وتعليم :

 والمشروعات المبكرة التي يديرها الصغار ليس الغرض منها أن تكون مدرة للأرباح فحسب، بل إنها فرصة للمغامرات والترفيه والتعلم؛ فالمشروع يدرس بأمثلة حقيقية من واقع الحياة، وبالنسبة إلى الشباب الصغار ممن يقل كلامهم مع الأسرة بدرجة كبيرة “خاصة في فترة المراهقة”، فمن الممكن أن يساعد تعلم ريادة الأعمال على تنمية مهاراتهم.

 ويقول “مايكل ديل” Michael Dell “إن البحث عن الموارد يعدّ ذخرًا للأطفال والبالغين الذين يريدون اكتشاف عالم الأعمال قبل بدء المشروع الخاص بهم”.

ويضيف ديل، أن هناك وفرة من الكتب والمواقع المتاحة على شبكة الإنترنت وبها العديد من الأفكار عن نوع الأعمال التي يمكن البدء فيها وكيف تصل إلى الأفكار وتحولها إلى واقع.

حلم المراهقين الأمريكيين :

وبين ما تقدمه “جونيور أتشيفمنت- “Junior Achievement التي تعد أكبر مؤسسة تعليمية عالميًّا غير هادفة للربحية تم تأسيسها في الولايات المتحدة عام 1919م،  من برامج لتدريب الطلاب على آليات سوق العمل وإطلاق المشاريع، وبين ما يقدمه الآباء إلى الأبناء من نصائح حياتية، فإن الجيل التالي لأمريكا يتسابق في موجة ريادة الأعمال ما بين مدٍّ وجزر.

حيث أظهر الاقتراع الذي أجرته هذه المؤسسة أن هناك تقريبا 75% من المراهقين أوضحوا أنهم يودون تأسيس شركاتهم الخاصة في يوم من الأيام.

 لذلك جاء الاهتمام بتدريس علم ريادة الأعمال للشباب في سن المراهقة، لتنمية قدراتهم، واكتشاف موهبتهم في مجال إقامة المشروعات، ودعم هذه الموهبة بالعلم الحديث القائم على الأسس العلمية السليمة، وذلك من خلال التعليم العالي في الجامعات وكذلك من خلال التعليم المستمر بعد الجامعة، وذلك لما لعلم ريادة الأعمال من أهمية كبيرة للشباب.

“الثروة الريادية” .. أكبر قوة اقتصادية :

 علم ريادة الأعمال هو علم حديث لم ينشأ بوصفه العلمي إلا في الستينيات، وهو كبعض العلوم الحديثة كالتسويق والهندسة يرتكز على العلوم الأساسية الأخرى، وبصفة عامة يرى بعض علماء ريادة الأعمال أنه مرتكز على علم الاجتماع وعلم الرياضيات والاقتصاد، فهو خليط من هذه العلوم.

ويرى المتخصصون أن مجال “ريادة الأعمال” سيكون أكبر قوة اقتصادية عرفتها الإنسانية حتى الآن؛ وذلك لأن «الثروة الريادية» التي جذبت اهتمام الكثير من الباحثين والممارسين خلال السنوات العشر الأخيرة استطاعت أن تغزو جميع جوانب الفكر والتخطيط الإداري في الوقت الراهن، وستكون عملية تحويل الأفكار المبتكرة إلى مشروعات ريادية ومؤسسات أعمال قابلة للنمو والازدهار هي التحدي الأكبر الذي سيواجه البلدان المتقدمة.

مبادرة صوت الطالب :

كذلك ظهرت مبادرات في الولايات المتحدة الأمريكية لدراسة ريادة الأعمال بشكل متخصص، مثل المبادرة التي دعت إليها مؤخرا شركة “ديل” بالتعاون مع مبادرة صوت الطالب Student Voice وهي عبارة عن حلقة نقاش تهدف إلى تطوير التعليم وحياة الطلاب في المجتمع الأمريكي، من خلال ضم دراسة ريادة الأعمال للمناهج الدراسية للشباب.

ووفقًا لما ورد في مجلة “إنتربرينور”، فإن هذه المبادرة تتيح الفرصة لدراسة تطوير التعليم الأمريكي من خلال ضم دراسة ريادة الأعمال للمناهج الدراسية للشباب ومناقشتها في الفصول الدراسية، كذلك تناول كيفية غرس روح المبادرة لدى العاملين في النظام التعليمي لضم إقامة المشروعات الصغيرة للمناهج الدراسية، وفي النهاية تتيح هذه المبادرة للأفراد مناقشة قصصهم الشخصية والتحديات التي واجهتهم كرائدي أعمال.


MENU